عن الجرثومة التي تحاصر العالم...وقفة تفكّر بين جرعة الأخلاق وجرعة الدواء من طبيب طوارئ لبناني يخوض غمار التصدي لكورونا في نيويورك

إعلان

تحت عنوان "هل جرعة الأخلاق مثل جرعة الدواء للكورونا؟" كتب د. حسن فرحات
بدا ملاكُ الرحمةِ والسلامِ مرتبكاً، وهو يراقبُ بصمتٍ وأسى ضحايا الكورونا من أقصى العالمِ إلى أقصاه، ودنا فتدلّى من غرفتي المطلة على قسم الطوارئ في المشفى الذي أعمل فيه،
وأنا منهمكٌ  بمعاينة مُرض المصابين بهذا الوباءِ القاسي، وألقى عليّ تحية المؤمن بقدرة العلم والإيمان على مساعدة الناس، وراح يقول لي باستفهام عجيب: لماذا يا طبيبي الطيب تفشَّت الكورونا في الدول المتقدمة علمياً وثقافياً واقتصادياً؟ أكثر من الدول الفقيرة والمتخلقة، ما السبب برأيك؟
وأجبت على الفور: يا ملاكي الطيب أنتَ قلتَ : الدولُ المتقدمة علمياً وثقافياً واقتصادياً، ولم تقلْ، يا ملاكي، والمتقدمة أخلاقيّاً. نعم إن سبب الأوبئة التي تجتاح عالمَنا اليومَ هو انحسار الأخلاق أمامَ الجشعِ والفساد وشركات العولمة التي ألغت إنسانية الإنسان. إستمعْ معي يا ملاكي إلى قول الشاعر حافظ إبراهيم:
     لا تحسَبَنَّ العلمَ ينفعُ وحدَهُ     ما لم يُتَوَّجْ ربُّهُ بخَلاق
أيها الطبيبُ الطيب، أتيتك اليوم باكراً لأني أعرف عمق إيمانك، والمؤمن سيماؤه في وجهه، ولذلك سأسألك، وأنا أحمل بشارة الرحمة للعالمين من رب العالمين، وأريد أن أعرف مدى صراع الخوف والإيمان في صدر المؤمن، واخترتك أنت يا طبيبي الإنسان لأسمع رأيك، فإني أريد أن أطمئن إلى دقات قلب المؤمن في هذا الاجتياح العالمي لجرثومة الكورونا، أريد منك موقفاً. فرحت كثيراً حين سمعت منه :"أنّه يحمل  بشارة الرحمة للعالمين من رب العالمين". وقبل أن أرد جواباً تذكرت قوله تعالى في سورة الحج، والتي جاء فيها قبل الاجتياح الكورونيِّ بأكثر من ألف وأربع مئة سنة، فتلوتُ على مسامع ملاك الرحمة قوله تعالى في سورة الحج: 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( سورة الحج73 .)
أضاء النور وجه ملاك الرحمة، وراح يردد أصداء قوله تعالى: ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب، وظل يردِّدُ هذا الجزء من الآية الكريمة حتى ظننت أنه سيذوب فيها، لأنّ الإيمان ضوء قبل كل شيء. قلت: يا ملاك الرحمة أنظر مقدار ضعف إنسان القرن الواحد والعشرين أمام جرثومة لا تُرى بالعين المجرّدة.
لقد خطا إنسان هذا العصر في العلوم والاكتشافات، وكلّ أصناف المعرفة، بل وغزا الفضاء وراح يستعمر الأفلاك والنجوم، ولكنّه انهزم ووقف مرتعداً أمام قدرة الخالق البارئ، وأمام جرثومة سخّرها الله لتقول للإنسان إنك ضعيف أمام بارئ السماوات والأرض.
جرثومة تحاصر العالم، وتقود رؤساء العالم إلى المختبرات خوفاً من جرثومة لا يرونها. فأين الطائرات، والصواريخ العابرة للقارات، وأين قنابل الذرة التي أصبحت جرثومة أمام جرثومة الكورونا. وانظر إلى قوله تعالى في نفس الآية: "وإنْ يسلبْهمُ الذبابُ شيئاً لا يستنقذوه منه ". اليوم الكورونا تسلب النّاس ارواحهم ولا يستطعون أن يستنقذوها. ولكن لا بدّ من العلم والأخلاقِ معاً للقضاء على الوباء. وأذكِّرُكَ بقوله تعالى: "ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأسُ من روح الله إلاّ القومُ الكافرون". إن الله سيرسل رحمته على عباده ويعلمهم الخلاص من هذا الوباء ولكنَّه أراد اختبارنا كما جاء في سورة البقرة: "ولنبلونَّكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والثمرات وبشر الصابرين".
أيّها الطبيب  المجاهد الصامد في خطِّ الدفاع الاول امام  زحف هذا الجيش الكورونيِّ هل لك أن تعرِّف بنفسك للناس لتفتح قلوبهم وتبحث الأمل في صدورهم.. لا بأس بطلبك يا عزيزي الملاك..:" أنا لست كاتبا، ولا شاعراً، ولا أديباً ولا فيلسوفاً  ، ولا سيداً  ولا عالماً،  أنا  لا أبغي  كلّ ما ذكرت . أنا لست إلا كائناً بشرياً بعقل عصفور لا يحلق  في مكان  ثابت  بل كثير الحركة، بحيث  يهاجر بغتةً إلى السماء ويأتي  إلينا لكي يخبرنا عنه وما يخبئ  لنا من مفاجآت  سارة  وغير سارة لا يفهم لغتها إلا الطير الذي لو تكلم   لخررْنا جميعاً سجداً له  ولعظمته  التي لا يضاهيها إلا عظمته  . ولكنْ رحمة منه قد أخفى كل هذا ولم يهبْ هذا الطير النُطق  الذي لو نطق  لكان رجاؤنا الوحيد منه ان لا يخرجنا من بُطُون أمهاتنا .."  

عندها انشرح صدر الملاك عند سماع ما قلت، واخذا يقول لي أكمل ، إن اهل السماء والارض ينصتون لكلامك الجميل ولروحك الصافيّة المؤمنة. 
يا ملاكي الهابط عليَّ فجاة  من السماء والحاضر الغائب معنا في معركتنا ضد هذا الوباء القاتل :" الكورونا سينتهي تقدم جيشها الكوني مهما نال من غنائم ومهما كانت نتائج فتكه قاسية . ولكنها ستترك الانسان واقفاً امام أسئلة كبرى ومن هذه الاسئلة التي ستتركها كورونا في كوننا الذي لا يمكن ضبط أهوائه وأحداثه إلاّ بالعلم والإيمان:

١– كم هي المسافة بين قوة الانسان وعجزه؟

٢– هل هذه القوة الهائلة لزحف جيوش كورونا ستجعل الانسان عاجزاً عن المواجهة وهل عجزه سيمنحه القدرة على البقاء والاستمرار في إنجاز كوْنيّتِه ام سيخضع لما ستبقي فيه من فعلها الذي سيستمر طويلا في وجوده؟

٣– هل سيكون الانسان قويا في مقاومتها لينتصر عليها في النهاية وهل قوته ستؤهله لكي يقاوم ما هو اقوى من كورونا وجيوشها الفتّاكة في ما قد يأتي لاحقاً وفي ازمنة صعبة وهل ستمنحه كورونا عنصر مناعة الاستمرار والتهيؤ لأحداث تأتي؟

٤– ما هي التأثيرات المادية والروحية والفكرية التي ستنتجها معركة كورونا؟
وانا سأحاول ان اطرح رأيي في هذه القضية دون ان أدّعي أنني مصيب:

1– انا اعتقد ان الانسان سينتصر على هذا الوباء.

2 — الانسان سينتصر إذا حمل أسلحة المواجهة وهي العلم والإيمان والتعاون.
3– اي خلل في استعمال هذه الأسلحة  مجتمعة سيؤدي الى هزيمة الانسان امام زحف كورونا.


4– العلم فكر وعمل وانجاز.اما الايمان فيجب  ان يكون عميقاً وغير خاضع لطقوس وهمية وتصرفات اقرب ما تكون الى الهبل، ولكي يكون الايمان عميقًا عليه ان يقبل العلم قبولًا روحياً وفكرياً وسلوكياً لأن الله علّم الانسان ما لم يعلم. على الايمان ان يظل لصيقا بالعلم لكي لا يتشوه الايمان.

٥–التعاون يجب ان يجعل العالم جيشًا موحّداً.

٦— التعاون يجب أن يكون أعلى من السياسة ومنحدراتها ومؤامراتها فإذا دخلت السياسة أفسدت كل شيء لان السياسة تفتقر الى الأخلاق، والتعاون في حقيقته يقوم على الأخلاق.

٧–يجب ان تكون سلامة الإنسان هي الغاية  والهدف .الانسان هو وحده رأس مال الكون وثروته وهو وحده ما يجب ان يُصان

٨– انا اعتقد ان جشع الأفراد والدول والشركات هو من اسباب هذا الوباء. ان سيطرة الجشع والنهم والاستغلال والفساد والتسابق على ما هو مؤذٍ هي سبب ما يصيب الوجود الانساني من خلل.

٩– انا اعتقد ان الاخلاق ستتبؤه مركز الصدارة فيما بعد، تلك التّي أثنى بها الله على نبيه محمد(ص)  حين قال سبحانه وتعالى: "وأنّكَ لعلى خلُقٍ عظيم".
وبالخلق العظيم سينتصر الإنسان على الكورونا والخوف معاً.
فابتسم الملاكُ الطيّبُ وقال: صدقتَ يا طبيبَ العلمِ والروحِ معاً.

أيُّها الطبيب الطيب المهموم الذي يحمل هموم الناس، وهموم ضيعته ووطنه، وهموم الأمة جمعاء، سنلتقي معك لاحقا حينما ينتهي هذا الوباء، فلا تخف ولا تحزن، فانت و كل الكوادرالطبيّة  التي تقاوم هذا الوباء بشجاعة تحت العناية الالهية، فلا تستعجل  امر الله، وتذكّر قوله عزّ وجلّ:" فإنّ معَ الْعُسرِ يُسراً، إنّ معَ العُسرِ يُسراً".

إخترنا لكم

Script executed in 0.039207935333252